ابن قيم الجوزية

668

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الخضر : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ( 79 ) [ الكهف ] وقال في بلوغ الغلامين : فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ( 82 ) [ الكهف ] وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة ، في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) [ الفاتحة ] واللّه تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر ، فقال تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) [ آل عمران ] وأخطأ من قال : المعنى : بيدك الخير والشر ، لثلاثة أوجه . أحدها : أنه ليس في اللفظ ما يدلّ على إرادة هذا المحذوف ، بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد . الثاني : أن الذي بيد اللّه تعالى نوعان : فضل ، وعدل ، كما في الحديث الصحيح ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « يمين اللّه ملأى ، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار » « 1 » أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق ، فإنه لم يغض ما في يمينه ، وبيده الأخرى القسط ، يخفض ويرفع ، فالفضل لإحدى اليدين ، والعدل للأخرى ، وكلاهما خير لا شرّ فيه بوجه . الثالث : أنّ قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك » « 2 » كالتفسير للآية ، ففرق بين الخير والشر ، وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه ، وقطع إضافة الآخر إليه ، مع إثبات عموم خلقه لكل شيء .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4684 ) ، ومسلم ( 993 ) عن أبي هريرة . ( 2 ) رواه مسلم ( 771 ) عن علي بن أبي طالب .